ابن أبي الحديد

51

شرح نهج البلاغة

ليصدع أمر قومه ، والله ما هو بالأمير المطاع ، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعا ، وأنتم الهامة العظمى ، والجمرة ( 1 ) الحامية ، فقدموه إلى قومه ، فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه ، إن رأيتم ذلك . فقام أبو صبرة شيمان فقال : يا زياد ، إني والله لو شهدت قومي يوم الجمل ، رجوت ألا يقاتلوا عليا ، وقد مضى الامر بما فيه . وهو يوم بيوم ، وأمر بأمر ، والله إلى الجزاء بالاحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ ، والتوبة مع الحق ، والعفو مع الندم ، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء ، واستئناف الأمور ، ولكنها جماعة دماؤها حرام ، وجروحها قصاص ، ونحن معك نحب ما أحببت . فعجب زياد من كلامه ، وقال : ما أظن في الناس مثل هذا . ثم قام صبرة ابنه ، فقال : إنا والله ما أصبنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل ، وإنا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله وطاعة أمير المؤمنين ، وأما أنت يا زياد ، فوالله ما أدركت أملك فينا ، ولا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك ، ونحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى ، فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا ، فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك ( 2 ) ، وإنا والله نخاف من حرب على في الآخرة ، ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا ، فقدم هواك وأخر هوانا ، فنحن معك وطوعك . ثم قام خنقر ( 3 ) الحماني ، فقال : أيها الأمير ، إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا ، لم نرض ذلك لأنفسنا ، سر بنا إلى القوم إن شئت ، وأيم الله ما لقينا قوما ( 4 ) قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا ، إلا ما كان أمس .

--> ( 1 ) الجمرة : كل جماعة انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يحالفوا غيرهم . ( 2 ) ج : ( تشبهه ) . ( 3 ) كذا في ب ، وفي ج : ( حيقن ) . ( 4 ) ب : ( يوما ) .